الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
111
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ [ الشعراء : 1 ، 2 ] للعلم بأن المتحدّين هم الكافرون المكذبون . [ 4 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 4 ] إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) استئناف بياني ناشئ عن قوله : أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] لأن التسلية على عدم إيمانهم تثير في النفس سؤالا عن إمهالهم دون عقوبة ليؤمنوا ، كما قال موسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] ، فأجيب بأن اللّه قادر على ذلك ، فهذا الاستئناف اعتراض بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى . ومفعول نَشَأْ محذوف يدل عليه جواب الشرط على الطريقة الغالبة في حذف مفعول فعل المشيئة . والتقدير : إن نشأ تنزيل آية ملجئة ننزلها . وجيء بحرف إِنْ الذي الغالب فيه أن يشعر بعدم الجزم بوقوع الشرط للإشعار بأن ذلك لا يشاؤه اللّه لحكمة اقتضت أن لا يشاؤه . ومعنى انتفاء هذه المشيئة أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يحصل الإيمان عن نظر واختيار لأن ذلك أجدى لانتشار سمعة الإسلام في مبدأ ظهوره . فالمراد بالآية العلامة التي تدل على تهديدهم بالإهلاك تهديدا محسوسا بأن تظهر لهم بوارق تنذر باقتراب عذاب . وهذا من معنى قوله تعالى : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [ الأنعام : 35 ] ، وليس المراد آيات القرآن وذلك أنهم لم يقتنعوا بآيات القرآن . وجعل تنزيل الآية من السماء حينئذ أوضح وأشدّ تخويفا لقلّة العهد بأمثالها ولتوقع كل من تحت السماء أن تصيبه . فإن قلت : لما ذا لم يرهم آية كما أري بنو إسرائيل نتق الجبل فوقهم كأنه ظلّة ؟ قلت : كان بنو إسرائيل مؤمنين بموسى وما جاء به فلم يكن إظهار الآيات لهم لإلجائهم على الإيمان ولكنه كان لزيادة تثبيتهم كما قال إبراهيم أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] . وفرّع على تنزيل الآية ما هو في معنى الصفة لها وهو جملة فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ بفاء التعقيب .